أبي الفرج الأصفهاني
73
الأغاني
الحارث قال له الكنديّ : ما أرى لك نجاة إلَّا أن ألحقك بحضرموت ببلاد اليمن فلا يوصل إليك . فسار معه يوما وليلة ، فلمّا غرّبه [ 1 ] قال : إنّني أنقطع ببلاد اليمن فأغترب بها ، وقد برئت منك خفارتي . لجوءه إلى بني عجل بن لجيم : فرجع حتّى أتى أرض بكر بن وائل ، فلجأ إلى بني عجل بن لجيم ، فنزل على زبّان فأجاره وضرب عليه قبّة . وفي ذلك يقول العجليّ : ونحن منعنا بالرّماح ابن ظالم فظلّ يغنّي آمنا في خبائنا / قال أبو عبيدة : فجاءته بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا : أخرج هذا المشئوم من بين أظهرنا ، لا يعرّنا بشرّ ؛ فإنّا لا طاقة بالملحاء [ 2 ] ( والملحاء كتيبة الأسود ) فأبت عجل أن تخفره [ 3 ] ، فقاتلوه فامتنعت بنو عجل . فقال الحارث بن ظالم في الكنديّ وفيهم : يكلَّفني الكنديّ سير تنوفة أكابد فيها كلّ ذي صبّة مثري - الصّبّة : قطعة من الغنم أو بقيّة منها - وأقبل دوني جمع ذهل كأنّني خلاة [ 4 ] لذهل والزّعانف من عمرو ودوني ركب من لجيم مصمّم وزبّان جاري والخفير على بكر لعمري لا أخشى ظلامة ظالم وسعد بن عجل مجمعون على نصري لحوقه بطيء : قال أبو عبيدة : ثم قال لهم الحارث : إنّي قد اشتهر أمري فيكم ومكاني ، وأنا راحل عنكم . فارتحل فلحق بطيىء . فقال الحارث في ذلك : لعمري لقد حلَّت بي اليوم ناقتي إلى ناصر من طيّىء غير خاذل فأصبحت جارا للمجرّة منهم على باذخ يعلو على المتطاول أخذ الأسود أموال جارات له فردها هو إليهن : قال أبو عبيدة وحدّثني أبو حيّة أنّ الأسود حين قتل الحارث خالدا سأل عن أمر يبلغ منه . فقال له عروة بن عتبة : إنّ له جارات من بليّ بن عمرو ، ولا أراك تنال منه شيئا أغيظ له من أخذهنّ وأخذ أموالهنّ ، فبعث الأسود فأخذهنّ واستاق أموالهنّ . فبلغ ذلك الحارث ، فخرج من الحين فانساب في غمار الناس حتى عرف موضع جاراته ومرعى إبلهنّ ، فأتى الإبل فوجد حالبين يحلبان ناقة لهنّ يقال لها اللَّفاع ، وكانت لبونا كأغزر الإبل ، إذا حلبت
--> [ 1 ] غربه : نجاه عن بلاده وأبعده . [ 2 ] في « بعض الأصول » : « بالملجأ » وهو تحريف . [ 3 ] الإخفار : الغدر ونقض العهد . [ 4 ] الخلاة : واحدة الخلي وهو الرطب من الحشيش . يقول : أقبل دوني هؤلاء القوم كأني خلاة يأخذها الآخذ كيف شاء ، والواقع أني في عز ومنعة .